LOADING CLOSE

هل حكم البرتغاليون البحرين في القرن السادس عشر؟

هل حكم البرتغاليون البحرين في القرن السادس عشر؟

هل حكم البرتغاليون البحرين في القرن السادس عشر؟

 

للتصفح الرجاء استخدام الأسهم في الجزء السفلي من المستند

“هل حكم البرتغاليون البحرين في القرن السادس عشر؟”[1]

شهد مطلع القرن السادس عشر سلسلة حملات برتغالية في المحيط الهندي، وبعد أن ثبت البرتغاليون سلطتهم وقضوا على خصومهم؛ تمركزوا في مواقع تجارية على سواحل الهند والخليج العربي، ثم شيدوا الحصون المشرفة على المدن وفرضوا رقابة على حركة السفن، وأخذوا يتقاضون الضرائب والرسوم الجمركية.

وفي أثناء تواجدهم في منطقة الخليج العربي؛ استهدف البرتغاليون البحرين بصورة خاصة، حيث سجلت مصادر تلك الفترة تواجد قواتهم في البحرين خلال السنوات: 1513 و1520، و1521، و1529 و1559 و1573، وأدى ذلك إلى استنتاج كثير من المؤرخين بأن البحرين قد خضعت للحكم البرتغالي ابتداء من عام 1521، وحتى طردهم منها عام 1602. إذ يؤكد ناصر الخيري أن البرتغاليين قد حكموا البحرين،[2] وكرر محمد التاجر ذلك الادعاء بقوله: “وتوحّد هؤلاء بحكم البلاد الوافر والخير الكثير..”،[3] وذكرت بعض المصادر المعاصرة أن القائد البرتغالي أفونسو دلبوكيرك: “أرسل القائد أنطونيو كوريا 1521، فاحتل البحرين وبقيت تحت النفوذ البرتغالي حتى 1602”.[4] علماً بأن أفونسو دلبوكيرك كان قد توفي سنة 1515، أما نائب الملك البرتغالي الذي أصدر أوامره لأنطونيو كوريا بغزو البحرين فهو: دييجو لوبيز دي سكويرا (1518-1522).

وقد اعتمد المؤرخون المحليون على المصادر البريطانية التي أكدت في مواضع كثيرة خضوع البحرين للحكم البرتغالي المباشر إبان القرن السادس عشر.

ولكن الوقفة المتأنية حيال نمط الهيمنة البرتغالية في الخليج العربي، تفرض على الباحث مراجعة الروايات التي يتكرر سردها في المؤلفات التاريخية المعاصرة، وبخاصة منها ما يتعلق بافتراض خضوع البحرين للاحتلال البرتغالي، إذ تشير الوثائق البرتغالية بأن الضباط البرتغاليين كانوا يدركون حقيقة عجزهم عن فرض احتلال طويل الأمد على الجزر النائية عن مراكزهم الرئيسة، ولذلك فإنهم قد اكتفوا بالحصول على إتاوة سنوية من البحرين دون محاولة احتلالها، فقد كانت الإمبراطورية البرتغالية الشرقية تعاني من مشاكل عديدة أبرزها: قلة العدد، وصعوبة الوصول إلى مراكز الإمداد، وعدم توفر القوة العسكرية الكافية التي تسمح لقواتها بالتواجد في جزر الخليج العربي لفترة طويلة الأمد.

وتتضح هذه الحقائق بصورة أفضل لدى تناول مراحل مختلفة من الوجود البرتغالي في الخليج العربي إبان القرن السادس عشر؛

ففي سنة 1521 شن البرتغاليون حملة ضد البحرين بهدف تدمير قوة الجبور البحرية والتي كانت تشكل مصدر قلق بالغ للبرتغاليين.[5] وبعد أن نجحت القوات البرتغالية-الهرمزية المشتركة في إلحاق الهزيمة بقوات الجبور وقتل زعيمهم مقرن سنة 1521، لم يظهر البرتغاليون اهتماماً بفرض احتلالهم على البحرين بل كان هدفهم الرئيس هو إيجاد سلطة بديلة تتمكن من دفع الإتاوة السنوية لهم دون أن يضطروا إلى المرابطة بقواتهم في البحرين، وبناء على ذلك فقد كان تطور الأحداث على النحو التالي:

1- بعد أن حطت الحرب أوزارها، قام القائد البرتغالي أنطونيو كوريا بتسليم قلعة البحرين إلى الوزير الهرمزي شرف الدين، باعتباره مسؤولاً عن تحصيل الضرائب، وتم تحديد إتاوة سنوية على البحرين قدرت بنحو أربعمائة دوكات، ووضعت في قلعة البحرين حامية هرمزية مكونة من مائة رجل معظمهم من الفرس، وقام شرف الدين بتنصيب ابن أخيه وصهره بدر الدين فالي مسؤولاً عن قلعة البحرين.[6]

2- وبعد أيام قليلة من مقتل الأمير مقرن قام وجهاء البحرين بالتفاوض مع أنطونيو كوريا سراً، وأبدوا استعدادهم للخضوع لطاعة ملك البرتغال، نظير تعيين حاكم عربي على الجزيرة بسبب كراهيتهم لملك هرمز، وبناء على هذه المفاوضات تم إبرام اتفاق تضمنت بنوده: العفو عن الجبور، وتنصيب حاكم عربي على الجزيرة، ويذكر المؤرخ البرتغالي باروس أن حاكم البحرين كان: “رجلاً مسناً ومحترماً يسمى (Bucar) أو(Lucat)، وكونه من العرب أفرح سكان البحرين كثيراً، وذلك لأنهم كانوا يخشون من أن يتولى الحكم عليهم رجل من أصل فارسي، وذلك لشدة الحقد الموجود بين الطرفين”.[7]

3- وفي الثاني عشر من شهر أغسطس 1521 انسحبت القوات البرتغالية بالكامل، وأبحر أنطونيو كوريا متجهاً إلى هرمز لمقابلة حاكم الهند دي سكويرا الذي أغدق عليه وعلى قادته الكثير من الهدايا،[8] وقد أقر سكويرا جميع الإجراءات التي اتخذها كوريا في البحرين، باستثناء انفراد الهرمزيين بمسؤولية جمع الضرائب، فأمر بتعيين موظفي جمارك برتغاليين في البحرين، وبناء على أوامر من سكويرا تم تأسيس مركز تجاري برتغالي في البحرين، وأرسل إلى البحرين جواو بوتا كوسيط تجاري، ومعه أنطونيو أبدل كضابط تسجيل بالإضافة إلى ستة أو سبعة رجال لمساعدتهم، وأدى ذلك إلى سخط كبير لدى موظفي الجمارك الهرمزيين في البحرين.[9]

ويستنتج من الروايات السابقة أن سلطة الهرمزيين المؤقتة في البحرين لم تكن تتعدى السيطرة على نظام الجمارك، إذ لا يمكن لحامية صغيرة لا يتعدى أفرادها مائة مقاتل فارسي أن تحكم جزيرة تطلّب غزوها نحواً من أربعة آلاف مقاتل. بل كانت مهمة الحامية الهرمزية تقتصر على جمع الإتاوة السنوية المفروضة على البحرين، ثم تراجع سكويرا عن ذلك القرار وأرسل موظفين برتغاليين للقيام بهذه المهمة.

ومن ناحية أخرى فإنه من غير الممكن تصور خضوع البحرين لاحتلال برتغالي يتكون من موظف جمارك تدعمه فرقة صغيرة تتألف من سبعة رجال يقيمون في القلعة؛ فالمصادر البرتغالية تؤكد بأن جهاز الإدارة في البحرين كان محلياً، وبأن حاكم البحرين كان من أصل عربي.

– وفي الفترة الممتدة ما بين عامي 1521-1529؛ تؤكد المصادر التاريخية بأنه لم يكن للبرتغاليين نفوذ يذكر في البحرين التي امتنع أهلها عن دفع الإتاوة إلى هرمز، إذ تؤكد المخاطبات الرسمية البرتغالية عام 1529 بأن البحرين: “لا تؤدي أي مردود حتى الآن”.[10] ونتيجة لذلك فقد شن البرتغاليون حملة أخرى ضد البحرين بقيادة سيماو دي كونها عام 1529، ولكن الحملة انتهت بصورة مروعة؛ إذ مات أغلب أفرادها نتيجة لإصابتهم بوباء الطاعون، وانسحب باقي أفراد الفرقة دون أن يتمكنوا من احتلال البحرين.

– وفي ثلاثينيات القرن السادس عشر أدى انشغال البرتغاليين بمواجهة التحالف العثماني مع القوى الإسلامية في الهند، بالإضافة إلى حملاتهم في البحر الأحمر، إلى إهمال الأوضاع في الخليج العربي، وكان للخسائر المروعة التي تكبدها البرتغاليون في حملتهم ضد البحرين عام 1529 دور كبير في إبعادهم عن المنطقة لفترة طويلة من الزمان، حيث أصبح ذكر البحرين يجلب للبرتغاليين الحزن والأسى، ويمكن ملاحظة ذلك في عبارات القائد البرتغالي برنالدو دو سوزا في حديثه عن الحملة البرتغالية على القطيف عام 1545، التي قال فيها:

“وبما أن جميع الذين رافقوني قد عادوا سالمين باستثناء اثنين قتلا خلال المعركة، ووفاة آخر بسبب المرض، فقد أحاطتنا العناية الإلهية في البحرين لأن أرضها غير صحية كما سبق لجلالتكم معرفته، عندما توفي الجنود الذين رافقوا سيماو كونها”.[11]

– وفي أربعينيات القرن السادس عشر تؤكد المصادر البرتغالية عدم خضوع البحرين لسيطرتهم؛ فعندما اندلعت المواجهات العسكرية بين البرتغاليين والعثمانيين، كانت التعليمات المشددة للقباطنة البرتغاليين أن يركزوا دفاعاتهم في هرمز ومسقط وأن لا يتوغلوا في سفنهم باتجاه البحرين، ولذلك فإنه عندما اقترح وزير هرمز على البرتغاليين شن حملة ضد البحرين عام 1544، فوجئ برد نائب الملك الذي أمر بصرف النظر عن فكرة مهاجمة البحرين.[12] وتشير المصادر البرتغالية في تلك الفترة إلى أن البحرين لم تكن تدفع لسلطتهم في هرمز أي إتاوة طوال الفترة الممتدة ما بين 1534 و1544.[13]

– وتؤكد مصادر البحرية العثمانية ما ذكره البرتغاليون من عدم وجود أي أثر لاحتلال أجنبي على أرض البحرين إبان الفترة 1552-1560؛ فعندما وصلت سفن الريس بيري إلى البحرين عام 1553 لاحظ عدم وجود أي قوات برتغالية فيها، كما أن حملتي القائدين العثمانيين: سيدي علي (1554) ومصطفى بيلربي (1559) وصلتا إلى البحرين ولم يلحظ أي منهما وجود قوات برتغالية بها.[14]

– واستمر الحال على ما هو عليه حتى العقد السابع من القرن السادس عشر، حيث منيت القوات البرتغالية في المغرب العربي بهزيمة ساحقة في معركة وادي المخازن عام 1578، مما أدى إلى تدهور الإمبراطورية البرتغالية وخضوعها للتاج الإسباني عام 1580، وانحصر اهتمام السلطة الإسبانية فيما يخص البحرين بتأسيس وكالة خاصة بهم فيها، دون وجود أي مظهر من مظاهر السلطة والنفوذ.

– وفي نهاية القرن السادس عشر لاحظ الرحالة جون لينخوتن (في تقرير حلته عام 1598)، بأن التمثيل البرتغالي في البحرين آنذاك كان يقتصر على وجود وكلاء تجاريين للملك دون وجود أي سلطة سياسية برتغالية فيها، وذلك في قوله.[15]

إن المصادر البرتغالية والعثمانية وغيرها من المصادر الإقليمية تتضافر جميعها لتؤكد بأن البحرين لم تخضع للحكم البرتغالي إبان القرن السادس عشر، فقد تميز أرخبيل الجزر بحماية طبيعية تتمثل في: ضحالة المياه التي لم تتناسب مع غواطس السفن البرتغالية الكبيرة، والظروف المناخية التي لم يعتد عليها الأوروبيون، بالإضافة إلى وجود قادة محليين نجحوا في تلك الفترة في المحافظة على استقلال البحرين وسيادتها، وهذا ما نرجو تبيانه في حلقة قادمة.

 

 

[1] نشر هذا المقال في: صحيفة الوطن، السنة الرابعة، العدد 1234، 27 أبريل 2009، البحرين. ص. 17.

[2] ناصر بن جوهر بن مبارك الخيري (2003) قلائد النحرين في تاريخ البحرين، تقديم ودراسة عبد الرحمن بن عبد الله الشقير، مؤسسة الأيام للنشر، البحرين. ص.ص 195-196.

[3] محمد علي التاجر (1994) عقد اللآل في تاريخ أوال، إعداد وتقديم إبراهيم بشمي، مؤسسة الأيام للنشر، البحرين. ص94.

[4] انظر على سبيل المثال: عبد الله بن خالد الخليفة وعلي أبا حسين (2005) مكانة البحرين في التاريخ الإسلامي، مركز الوثائق التاريخية، البحرين، ص 223.

[5] صالح أوزبران (1979) الأتراك العثمانيون والبرتغاليون في الخليج العربي 1534-1581، ترجمة عبد الجبار ناجي، مركز دراسات الخليج العربي، جامعة البصرة. ص 21.

[6] Joao de Barros (1945-46) I Asia. 3/322.

[7] المصدر السابق، الصفحة نفسها.

[8]فالح حنظل (1997) العرب والبرتغال في التاريخ، المجمع الثقافي، أبو ظبي، ص 314.

[9] مونيك كيرفران (2004) البحرين في القرن السادس عشر: جزيرة حصينة، تعريب محمد الخزاعي، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت.ص 28.

[10] أحمد بوشرب “مساهمة المصادر والوثائق البرتغالية في كتابة تاريخ البحرين خلال النصف الأول من القرن السادس عشر، الوثيقة، العدد الرابع، يناير 1984، مركز الوثائق التاريخية، البحرين. ص.ص 128-132.

[11] Arquivo Nacional da Torre do Tombo, (1960-1977) As Gavetas Da Torre Do Tombo Lisboa. 5/915-918.

[12] أحمد بوشرب (1984) “مساهمة المصادر..”، مرجع سابق، ص.ص 133-135.

[13] عبد اللطيف الحميدان (1997) إمارة آل شبيب في شرق جزيرة العرب 931-960هـ/1525-1553م، الرياض، ص.ص 94-95.

[14] صالح أوزبران (1979) مرجع سابق، ص 44.

[15] عيسى أمين (1996) تاريخ البرتغاليين في الخليج العربي: مذكرات دوراتي بربوسا وجون هيونان لينخوتن ومقالة تشالزبوكر، مؤسسة الأيام البحرين. ص 92 و98. وانظر كذلك: الوثيقة (1982) “وصف شاهد عيان يرجع لعام 1598″، العدد الأول، يوليو 1982، مركز الوثائق التاريخية، البحرين. ص.ص. 152-155.