LOADING CLOSE

التأييد الشعبي لتولي الشيخ عيسى بن علي الحكم

التأييد الشعبي لتولي الشيخ عيسى بن علي الحكم

التأييد الشعبي لتولي الشيخ عيسى بن علي الحكم

 

للتصفح الرجاء استخدام الأسهم في الجزء السفلي من المستند

التأييد الشعبي لتولي الشيخ عيسى بن علي حكم البحرين عام 1869م[1]

عد المؤرخون تولي الشيخ عيسى بن علي آل خليفة الحكم عام 1869م صورة جلية لظهور الحس الوطني؛ إذ تمت بيعته بإجماع شعبي في وقت كانت البحرين فيه أحوج ما تكون إلى وجود حاكم يحظى باحترام المجتمع على اختلاف فئاته.

وقد ظهر ترحيب أهل البحرين وابتهاجهم بقدوم الشيخ عيسى بن علي في صور عدة يوم الثاني من ديسمبر عام 1869م، ويمكن تفصيل ذلك فيما يأتي:

1- إجماع أهل البحرين على اختيار الشيخ عيسى حاكماً على البحرين

في 13 نوفمبر 1869م أصدر نائب الملك البريطاني في بومبي تعليمات للمقيم السياسي في بوشهر لويس بيلي، بضرورة استفتاء أهل البحرين على من يتولى الحكم فيهم، وكان من الواضح بأن الشيخ عيسى بن علي كان هو المرشح الأفضل لتولي المنصب، إذ أنه: “أكبر أبناء الشيخ السابق في سن النضج، ويبدو اقتراح خلافته لأبيه اقتراحاً معقولاً، ويمكن للكولونيل بيلي أن يعترف بعيسى شيخاً بعد القبض على الزعماء الثلاثة قادة العدوان، إذا كانت الظروف مناسبة، وإذا ما تيقن أن الناس يوافقون على هذا التغيير”.[2]

وبعد انتهاء العلميات العسكرية عقد المقيم السياسي بيلي جلسات عدة مع رؤساء القبائل والأعيان بالبحرين للتشاور فيمن يتولى أمر البحرين، وكان الإجماع على اختيار الشيخ عيسى بن علي آل خليفة، حيث ذكر بيلي في تقريره عقب تلك الأحداث بأنه: “عندما دخلنا البحرين قابلنا تحت حماية السلاح بعض الزعماء الكبار والصغار وزعماء بعض القبائل المسالمة واستخلصنا بأن القبائل في البحرين كانت ترغب بتعيين عيسى بن علي حاكماً للبحرين”.[3]

وقد ذكر محمد بن خليفة النبهاني بأن المقيم السياسي بيلي في البحرين قد استشار: “رؤساء قبائلها وأعيان أهلها فيمن يختارونه حاكماً عليهم فأجمع الكل على طلب الشيخ عيسى بن علي، فكتب المعتمد البريطاني إليه يستقدمه”.[4]

ويؤكد محمد علي التاجر على رواية النبهاني بقوله: “ثم إن المعتمد استشار أهل البحرين فيمن يختارون حاكماً عليهم فأجمع الكل على طلب الشيخ عيسى بن علي فكتب إليه المعتمد يستقدمه من قطر”.[5]

وأضاف ناصر الخيري معلومات أكثر تفصيلاً عن وقائع مجلس الشورى الذي انعقد لاختيار الحاكم الجديد بقوله: “قبض بيلي على الشيخ محمد بن عبد الله وأعوانه، ثم ألف مجلساً جمع فيه أكابر البلدة وأعيانها، وخيرهم في طلب الحاكم الذي يرتضونه، وسألهم عما إذا كانوا راضين بحكومة الشيخ محمد بن عبد الله أو أحد أنجال الشيخ علي بن خليفة، فوقع اختيار الأهالي جميعاً على حضرة الشيخ عيسى بن علي أكبر أنجال الشيخ علي بن خليفة بعد إبراهيم المقتول مع والده، فبعث كرنل بيلي في طلب الشيخ عيسى من قطر”.[6]

2- خروج سفن البحرين لاستقبال الشيخ عيسى بن علي في عرض البحر

عندما وردت الأنباء باقتراب وصول موكب الشيخ عيسى بن علي صباح يوم 30 نوفمبر 1869م قادماً من قطر، توجهت على الفور ثلاثون سفينة تحمل على متنها عدداً كبيراً من أهل البحرين الذين قدموا للاحتفاء به، وتأمين الحماية له، والتأكد من وصوله سالماً إلى البحرين؛ إذ يؤكد بيلي بأن: “عيسى بن علي الذي استدعي من قطر شوهد في طريقه قادماً من الزبارة وتوجهت إلى هذه النقطة ثلاثون سفينة ترافقه في طريقه إلى البحرين”.[7]

وتجدر الإشارة إلى أن السفن التي انطلقت لاستقبال موكب الشيخ عيسى بن علي وحمايته لم تكن سفناً بريطانية، إذ أن عدد القطع البحرية البريطانية التي شاركت في العلميات العسكرية في تلك الفترة لم تتجاوز الأربع سفن، ولم تتحرك أي منها لتأمين الحماية للشيخ عيسى بن علي، ولم تصدر من جهة المقيم السياسي بيلي أو القائد البحري دوغلاس أي تعليمات لتحريك السفن المحلية أو البريطانية باتجاه موكب الحاكم الجديد، بل تمت عملية تشكيل الموكب البحري بمبادرة شعبية محضة.[8]

3- مبايعة الشيخ عيسى بن علي وسط مظاهر الفرحة والابتهاج

عندما شارف موكب الشيخ عيسى بن علي مدينة المحرق تصحبه سفن البحرين، استقبله الشعب بحفاوة، وعبروا عن بهجتهم بوصوله من خلال رفع الأعلام على السفن وفي الميناء، إذ يذكر المقيم السياسي بأنه لدى وصول الشيخ عيسى بن علي: “رحب به الناس، وقامت المدينة والسفن الراسية في الميناء على الفور برفع الأعلام”.[9]

وعندما نزل الشيخ عيسى بن علي في المحرق ودخل القلعة؛ وفد إليه وجهاء البحرين لمبايعته حاكماً عليهم، وذلك في آخر شهر شعبان 1286هـ/ 2 ديسمبر 1869م، وسط مظاهر الفرح والابتهاج، وكان عمره 21 عاماً آنذاك.([10])

وقد وصف القائد الأعلى للأسطول البريطاني في الخليج العربي دوغلاس أحداث وصول الشيخ عيسى بن علي إلى البحرين بقوله: “في ظهر اليوم التالي (2 ديسمبر 1869م) وصل الحاكم عيسى بن علي ومعه قوة كبيرة من المسلحين، وبعد المقدمات والرسميات دخل المدينة وسلمت له قلعة المحرق ونزل بها”.[11]

وبعد أن بايع وجهاء أهل البحرين وممثلوهم الشيخ عيسى بن علي في القلعة؛ “خرج جميع سكان المحرق تقريباً لاستقباله، ورفعت السفن والمنازل علم البحرين. بعد ذلك زارنا عيسى بن علي مرتين على ظهر سفينتنا وفي كل مرة استقبلناه كرئيس دولة”.[12]

وأكد لوريمر بأن الشيخ عيسى بن علي: “نُصب حاكماً على البحرين دون أي تدخل من جانب السلطات البريطانية ووسط مظاهر الابتهاج الشامل من أهالي البحرين”.[13]

والحقيقة هي أن مظاهر الابتهاج بقدوم الشيخ عيسى بن علي إلى البحرين لم تقتصر على المحرق، بل قام الحاكم الجديد بإرسال مندوبيه إلى المنامة لأخذ البيعة له، والعمل على استعادة الأمن، إذ يؤكد الكابتن دوغلاس بأن الشيخ عيسى بن علي: “أرسل رجاله إلى المدينة حيث استقبلهم الناس بالحفاوة”.[14]

4- ترحيب الدول المجاورة بتولي الشيخ عيسى بن علي الحكم

تحدثت المصادر البريطانية عن تلقي القوى المجاورة للبحرين خبر تولي الشيخ عيسى بن علي بالاستحسان والقبول، فعندما شارف الأسطول البريطاني الوصول إلى البحرين، أرسل المقيم السياسي بيلي إلى قبائل قطر خطاباً يطلب منهم عدم التعرض للشيخ عيسى بن علي في طريقه إلى البحرين لتسلم الحكم، وتلقت قبائل قطر هذه الأنباء بكثير من الاهتمام إذ يؤكد النبهاني بأنه: “لما وصل الكتاب وفشا الخبر في قطر جعل أهل قطر يعرضون على الشيخ عيسى سفنهم ومساعدتهم… فشكرهم وأبان لهم عدم حاجته إلى مساعدتهم، وركب هو وعشيرته السفن من مرساها، وقالوا بسم الله مجريها ومرساها وأتى البحرين بمن معه من عشيرته”.[15]

كما عمد بيلي إلى إيفاد مساعد المقيم الميجور سميث لإشعار الدول المجاورة بمبايعة الشيخ عيسى بن علي حاكماً على البحرين، ولاحظ سميث بأن زعماء هذه الدول قد تلقوا الخبر بالاستحسان، ففي السادس من ديسمبر 1869م قابل سميث الشيخ زايد بن خليفة في أبو ظبي، وأخبره بأن الشيخ عيسى بن علي تولى حكم البحرين، وأضاف سميث بأنه الشيخ زايد علق على هذا الخبر بقوله: “هذا هو الصحيح، هو من يحل محل والده، هذا صحيح، هذا صحيح”.[16]

5- عدم تدخل بريطانيا في اختيار حاكم البحرين

تؤكد المصادر البريطانية بأن عملياتها العسكرية في البحرين جاءت بهدف حماية المصالح البريطانية، والتأكد من إلزام البحرين بدفع التعويضات لرعاياها الذين تعرضوا للنهب في أعقاب معركة الضلع، ولم يتدخل الأسطول البريطاني إلا عندما تعرضت مصالح رعاياه للخطر، وعندئذ فقط أرسل بيلي مساعده الكابتن واي على ظهر سفينة صاحبة الجلالة “دالهوزي” لنقل الرعايا البريطانيين الذين يرغبون في المغادرة![17]

وعندما طلب بيلي من حكومة الهند البريطانية الإذن بالتدخل العسكري في البحرين كان الهدف الرئيس هو: “التفاهم مع الشيخ الذي سيعترف به -أياً كان- على مصادرة أراضي المتمردين والقراصنة… وتخصيص ثمن بيعها لتعويض الأشخاص الذين تعرضوا للنهب والسلب”.[18]

وفي تقريره حول الأحداث ذكر بيلي بأنه لم يتدخل في عملية تنصيب الشيخ عيسى بن علي، بل أكد للشيخ عيسى بأنه: “إذا ما كان راغباً في أن يكون حاكماً للبحرين، يجب أن يعلم أنه بتصرفه هذا اتخذ القرار بنفسه وليس بتوجيه منا، ويجب أن ينظم أموره وأمور القبائل ويحمي نفسه”.

ويمكن القول بأن المبايعة الشعبية للشيخ عيسى بن علي في ديسمبر 1869م، قد عكست القبول الواسع الذي تمتع به في البحرين، وبناء على ذلك الإجماع، فقد تعاون أهل البحرين مع الشيخ عيسى بن علي في وضع حد للخلافات الداخلية، ومنع القوى الإقليمية من التدخل في شؤون البحرين، وعادت الحياة الاجتماعية والاقتصادية إلى سابق عهدها، مما وفر للبحرين فرصة الأمن والاستقرار التي كانت أحوج ما يكون إليها آنذاك.

 

[1] نشرت هذه الدراسة في: صحيفة الوطن، السنة الخامسة، العدد 1601، 29 أبريل 2010، ص 17.

[2] فتوح عبد المحسن الخترش (1992) تاريخ البحرين السياسي 1753-1904: التأسيس والازدهار، دراسة وثائقية لمجموعة سالدانها، ذات السلاسل، الكويت. ص 109.

[3] Tuson, P. (1993) Records of Bahrain. 2/272-276.

[4]   النبهاني (2004) التحفة النبهانية، مرجع سابق. ص.ص 193-194.

[5] محمد علي التاجر (1994) عقد اللآل في تاريخ أوال، البحرين: مؤسسة الأيام، البحرين. ص.ص143-144.

[6] ناصر الخيري (2003) قلائد النحرين، مرجع سابق. ص 367.

[7] Tuson, P. (1993) Records of Bahrain. 2/272-276.

[8] القطع البحرية البريطانية التي ذكر الكابتن دوغلاس بأنها شاركت في العمليات العسكرية هي: “كلايد(Clyde)”، و”هيوروز(Hugh Rose)”، و”نيمف(Nymphe)”، و”دافني(Daphne)”.

[9] في خطاب بتاريخ 8 ديسمبر 1869 رقم 389 إلى وزير الخارجية بكلكتا، نقلاً عن: الخترش (1992) دراسة وثائقية لمجموعة سالدانها، مرجع سابق. ص.ص 115-116.

[10] علي أبا حسين (1991) “الشيخ عيسى بن علي آل خليفة”، مجلة الوثيقة، ع 19، مركز الوثائق التاريخية، البحرين. ص 35.

[11] I.O.R. L.P&S/5/264

[12] Tuson, P. (1993) Records of Bahrain. 2/272-276.

[13] لوريمر (2005) دليل الخليج، مصدر سابق، القسم التاريخي، 3/190.

[14] Tuson, P. (1993) Records of Bahrain. 2/269.

[15] النبهاني (2004) التحفة النبهانية، مرجع سابق. ص.ص 193-194.

[16] Tuson, P. (1993) Records of Bahrain. 2/283.

ويذكر بأن الشيخ زايد بن خليفة قد حكم أبو ظبي طوال الفترة الممتدة ما بين: 1855-1909.

[17] لوريمر (2005) دليل الخليج، مصدر سابق، القسم التاريخي، 3/188-189.

[18] I.O.R: L.P. & S-20-c-241, letter no. 184 dated 5th October 1869 p.22