LOADING CLOSE

العناصر السكانية الرئيسة في البحرين إبان الفترة: 226-630م

العناصر السكانية الرئيسة في البحرين إبان الفترة: 226-630م

العناصر السكانية الرئيسة في البحرين إبان الفترة: 226-630م

 

للتصفح الرجاء استخدام الأسهم في الجزء السفلي من المستند

الأصول السكانية لمجتمع البحرين الحديث (3)

الهوية العربية للبحرين إبان الفترة (226-630م)[1]

كان العرب في إقليم البحرين قد تمكنوا من تأسيس كيانات سياسية عدة قبل قيام الدولة الساسانية، ووصلوا إلى مستوى عال من الرقي والتمدن، فأسسوا تجمعات حضرية تميزت بالرفاهية وازدهرت بالعمران، ومارسوا نشاطاً تجارياً كبيراً طوال السنوات الخمسمائة الممتدة ما بين انهيار الدولة الإخمينية وقيام الحكم الساساني.

وقد استمرت مسيرة التطور العمراني والازدهار التجاري في إقليم البحرين إبان فترة الحكم الساساني، بل إن الكيانات السياسية العربية قد نجحت في التوسع شرقاً، إذ قامت القبائل العربية في البحرين بغزو فارس وتأسيس تجمعات سكانية على سواحلها الشرقية المطلة على الخليج العربي.

وعلى الرغم مما وصل إليه العرب من الرقي الحضاري، والتطور السياسي والاقتصادي؛ إلا أن العديد من الدراسات التاريخية المعاصرة قد وقعت في خطـأ التأريخ للعرب قبل الإسلام من خلال الهيمنة الفارسية على بلادهم، دون التطرق لهيمنة الكيانات العربية التي فرضت نفسها على السواحل الشرقية للخليج العربي في مرحلة ما قبل الإسلام.

وكان حسين مؤنس من أوائل المتحدثين عن ظاهرة إغفال العنصر العربي لدى التأريخ لأحداث عهد الدولة الساسانية، حيث أكد بأن: “هناك مبالغة في نصوص تصوير اتساع دولة فارس في العصر الإيراني، لأن فارس لم تكن قط في أي عصر من عصور تاريخها قبل الإسلام دولة ثابتة الحدود، إنما كانت حدودها تتسع أحياناً في عصور الملوك الأقوياء، وتنقبض في عصور الضعفاء وهم الأكثرون”.[2]

ولاحظ المؤرخ الفرنسي جان فرانسوا سال عدم وجود أي مادة في المصادر الساسانية عن البحرين، مما يدل على أنها لم تكن خاضعة لحكمهم، مشيراً إلى أنه: “من التبسيط للأمور أن تعتبر الجزيرة مجرد مستوطنة للسلوقيين ثم المسينيين ثم الفارسيين، ومن ثم الساسانيين. والافتراض الأكثر احتمالاً هو أن تكون (الجزيرة) مستقلة، تتمتع بصلة وثيقة مع الأسر المالكة المتعاقبة التي بسطت نفوذها على التجارة، وعلى البحارة الذين كانوا يبحرون باستمرار عبر الخليج بين مصب الفرات والهند”.[3]

وتكمن الإشكالية في أن كتب التاريخ قد بالغت في الحديث عن حملتي الدولة الساسانية ضد إقليم البحرين في عهدي: أزدشير بن بابك (230م) وسابور ذي الأكتاف (325م)، دون الحديث عن الحملات التي شنها العرب على الدولة الساسانية، وما نتج عن هذه الحملات من هيمنة العنصر العربي على ضفتي الخليج العربي طوال فترة الحكم الساساني، والتي استمرت حتى يومنا هذا.

والحقيقة هي أن حملتي أزدشير وسابور كانتا محدودتين من حيث المدة الزمنية والتأثير الحضاري، إذ لم يكن للفرس أي قدرة على فرض وجودهم الفعلي في إقليم البحرين، ولذلك فإنهم اضطروا إلى الاعتماد على القبائل العربية لحماية حدود دولتهم، ومنع غارات البدو على بلادهم. بل إن سابور ومن خلفه من حكام الدولة الساسانية قد لجأوا إلى توطين القبائل العربية في السواحل الشرقية للخليج العربي نظراً لما مثلته عملية التوطين هذه من أمن لهم، كما اعتمدوا على تكثيف الوجود العربي في جبهتهم الغربية كمنطقة عزل تمنع تغلغل الروم في بلادهم.

وبناء على ذلك فإنه لا بد من إعادة النظر في تاريخ البحرين إبان تلك الفترة من خلال الدولتين العربيتين الرئيستين: دولة “اللخميين” ودولة “كندة”، إذ كان حكام هاتين الدولتين هم الحكام الفعليون في البحرين وشرقي شبه الجزيرة العربية، ويمكن تفصيل تاريخهما فيما يأتي:

أ- دولة اللخميين (268-633م):

يعود أصل اللخميين (المناذرة) إلى كهلان، وقد كوّنوا قبل الإسلام مملكة عربية امتد سلطانها من العراق ومشارف الشام شمالاً حتى عمان جنوباً، متضمنة البحرين وهجر وساحل الخليج العربي، وكانت عاصمتهم في الحيرة.

وكان اللخميون قد اغتنموا فترة الصراع بين الأسرتين: البارثية والساسانية بفارس، فأسسوا حكمهم في الحيرة بالعراق، واضطر البارثيون ومن ثم الساسانيون إلى الاعتراف باستقلالهم الذاتي، ومن أشهر ملوكهم: امرؤ القيس (288-328م) الذي ضم البحرين إلى حكمه، وأخضع القبائل العربية بها، ثم وسع سلطته بعد ذلك لتشمل أجزاء من اليمن.

وفي عام 309م توفي الإمبراطور الساساني هرمز الثاني بن نرسي، ولم يخلف وريثاً للعرش، فأوعز امرؤ القيس إلى قبائل البحرين وعلى رأسها: عبد القيس وربيعة وتميم وتغلب وبكر بمهاجمة سواحل فارس، فعبروا إلى بلاد فارس بأسطول كبير، واحتلوا أجزاء منها مدة خمسة عشر سنة.

وتشير المصادر إلى أن امرأ القيس قد استخدم في حملته تلك أسطولاً بحرياً كبيراً، واحتل أجزاء شاسعة من بلاد فارس، كما هدد بغزواته مشارف الإمبراطورية الرومانية إلا أنه ما لبث أن تصالح مع ملوك الرومان.[4]

وفي سنة 324م أغار امرؤ القيس بقبيلة قضاعة على مدن فارس، فقتل عدداً من أقرباء ملكها سابور الثاني (309-379م) الذي قام بشن حملة ضد الممالك العربية عام 325م، ففر امرؤ القيس، واحتل سابور مدينة الحيرة، ونصب أوس بن قلام العمليقي (من العماليق) ملكاً عليها من قبله وكلفه بمهمة وقف هجمات القبائل العربية على بلاده.

وقد أرخ الطبري لحملات عرب البحرين على فارس بقوله: “فسار جمع عظيم منهم في البحر من ناحية بلاد عبد القيس وكاظمة حتى أناخوا على أبرشهر وسواحل أردشيرخره وأسياف فارس، وغلبوا أهلها على مواشيهم وحروثهم ومعايشهم”.[5]

وفي فترة لاحقة أعاد الفرس للخميين سلطتهم في المناطق العربية، وتحالفوا معهم لصد هجمات القبائل العربية، وكذلك لدرء خطر الغزو الروماني على بلادهم؛ ففي عهد المنذر الأول (418-462م) جرت حروب ضارية بين الفرس والروم، فقدم المنذر للفرس مساعدات كبيرة وتحالف معهم ضد الروم، مما رسخ وجود اللخميين على طول الحدود مع فارس، واستمر نفوذهم على البحرين حتى منتصف القرن السادس الميلادي، إذ تحدثت المصادر الأدبية عن أوامر أصدرها ملك اللخميين عمرو بن هند (554-574م) إلى أميره على البحرين بقتل الشاعر طرفة بن العبد.

ب- مملكة كندة (325-553م)

تأسست مملكة كندة الأولى في إقليم نجد إبان القرن الرابع قبل الميلاد، وذلك على إثر ارتحال قبائل كندة بعد انهيار سد مأرب من اليمن وانتشارهم في أرجاء شبه الجزيرة العربية، ولكنها اضمحلت ولم يبق لها أي نفوذ فيما بعد.

وفي حدود عام 325م، تأسست دولة كندة الثانية والتي امتد حكمها ليشمل معظم نجد والجزء الشمالي من شبه الجزيرة العربية، وبلغت الدولة أوجها في عهد الملك حجر الملقب بآكل المرار الذي تولى الحكم في حدود عام 433م؛ إذ تذكر المصادر بأن حجراً قام بحملات توسع بها في أطراف نجد، فهاجم قبائل الحجاز وشمالي شبه الجزيرة العربية، وانتزع جانباً من الأراضي التي كانت تحت سيطرة مناذرة الحيرة، كما بسط سيطرته على أرض اليمامة وجهات البحرين. وبرز في تلك الفترة: معاوية بن عمر بن حجر الكندي الملقب بابن الجون والذي كانت له الزعامة في البحرين.

وعلى إثر وفاة الملك حجر خلفه ابنه عمرو الملقب بالمقصور، الذي شهد عهده تمرد قبائل ربيعة (بقيادة وائل بن ربيعة الملقب بكليب في البحرين) على حكم كندة، وانتشرت الفوضى حتى وفاته وتولي ابنه الحارث بن عمرو الذي تمكن من إعادة إخضاع ربيعة لحكمه، وولى ابنه عبد الله والياً على البحرين في حدود عام 489م.[6]

وقد استمر نفوذ دولة كندة حتى اندلاع الحرب بين الحارث الكندي وملك الحيرة اللخمي المنذر بن ماء السماء في أوائل القرن السادس الميلادي، فتمكن المنذر من هزيمة الحارث الكندي وطرده من الحيرة، مما أدى إلى فرار الحارث إلى البحرين ومقتله فيها، مما دفع بابنه الشاعر امرؤ القيس للعمل على استعادة حكم والده، ولكنه مات دون أن يدرك هدفه عام 540م.

وبمقتل الحارث انهار حكم كندة، وعادت بذلك البحرين إلى حكم المناذرة، وذكر الهمداني بأن هجرة كندة وجلاءها عن البحرين كان في أعقاب مقتل ابن الجون في معركة “شعب جبلة” التي وقعت سنة 553م، وذلك قبل ظهور الإسلام بفترة وجيزة.[7]

يلاحظ من الاستعراض السابق بأن سكان البحرين في الفترة الدلمونية من السومريين والآشوريين وغيرهم لم يبق لهم أي أثر.

كما أن وجود الأزد والعماليق وغيرهم من قبائل العرب البائدة قد انحسر عن البحرين عقب انهيار الدولة البارثية وقيام الدولة الساسانية، بالإضافة إلى صراعهم مع القبائل العدنانية التي دفعت بالأزد والعماليق للهجرة والارتحال نحو الشمال والشمال الغربي.

وبالتالي فإن امتداد الأصول السكانية لمجتمع البحرين المعاصر يعود إلى فترة ظهور قبائل ربيعة على الساحة السياسية في غضون العقد السادس من القرن الخامس الميلادي، وذلك عندما ثارت قبائل معد بقيادة كليب بن وائل واستطاعت التخلص من حكم قبائل الجنوب في معركة خزازى في منتصف القرن الخامس الميلادي.

 

[1] نشرت هذه الدراسة في: صحيفة الوطن، السنة الخامسة، العدد 1579، 7 أبريل 2010. ص 17.

[2] حسين مؤنس (1987) أطلس تاريخ الإسلام، الزهراء للإعلام العربي، القاهرة. ص 49

[3] جان فرانسوا سال (2002) “البحرين من الاسكندر الأكبر إلى الساسانيين”، ترجمة محمد الخزاعي (2002) بقايا الفردوس، البحرين، ص.ص 106-107.

[4] توفيق برو (2001) تاريخ العرب القديم، دار الفكر، دمشق وبيروت. ص.ص 123-140.

[5] الطبري (1979) تاريخ الأمم والملوك، مصدر سابق. 2/57.

[6] عبد العزيز الغزي (2006) مملكة كندة، دارة الملك عبد العزيز، الرياض، ص.ص38-39.

[7] عبد الجبار بن أحمد الهمداني (1977) صفة جزيرة العرب، تحقيق محمد الأكوع، دار اليمامة، الرياض. ص 175.