LOADING CLOSE

ارتباط العتوب بالبحرين قبل تأسيس الحكم الخليفي فيها ١

ارتباط العتوب بالبحرين قبل تأسيس الحكم الخليفي فيها ١

ارتباط العتوب بالبحرين قبل تأسيس الحكم الخليفي فيها ١

 

للتصفح الرجاء استخدام الأسهم في الجزء السفلي من المستند

ارتباط العتوب بالبحرين قبل تأسيس الحكم الخليفي فيها (أ)[1]

كان من أهم نتائج تشكل التحالفات القبلية في شرقي شبه الجزيرة العربية: تأسيس الكيانات السياسية العربية فيها، حيث يمكن ملاحظة وجود ارتباط وثيق بين تشكل حلف قبائل “تنوخ” في البحرين وقيام مملكة تنوخ التي انبثقت عنها دولة اللخميين فيما بعد.

كما ارتبط تحالف “لهازم” مع الكيانات السياسية التي أسستها القوى العربية في البحرين عقب معركة ذي قار سنة 609م.

وكذلك فإنه لا يمكن إغفال الارتباط الوثيق بين تشكل تحالف “العتوب” في الثلث الأخير من القرن السابع عشر مع تأسيس الكيانات السياسية في البحرين عقب اضمحلال النفوذ البرتغالي والهولندي في الخليج العربي.

فتحالف العتوب قد ضم قبائل لها وجود تاريخي في البحرين منذ العصور القديمة، كقبائل: عنزة وتميم وسليم وغيرها. وقد لاحظ الخليفة وأبا حسين بأن تواجد العتوب في البحرين لا بد وأن يكون سابقاً للعام 1700م، وكان ذلك التواجد يتمثل في تجمع سكاني كبير، وقوة بحرية ضخمة، بالإضافة إلى ممارستهم لأعمال الغوص والنقل البحري، مما يؤكد بأن تشكل ذلك التحالف لا بد وأن يكون قد وقع في النصف الثاني من القرن السابع عشر على أقل تقدير.[2]

وقد بنيت هذه الاستنتاجات بصورة رئيسة على خطاب أرسله حاكم البصرة العثماني علي باشا إلى إسطنبول أكد فيه تواجد العتوب في أرخبيل جزر البحرين، وقدر تعدادهم بحوالي ألفا أسرة، وذكر أنهم يمتلكون حوالي مائة وخمسين مركباً، مزودة بمدافع تقدر بحوالي مدفعين أو ثلاثة مدافع على مركب، وبأن عدد المسلحين فيها يقدر بحوالي ثلاثين إلى أربعين رجلاً في كل مركب. كما أشار علي باشا إلى أن المهن الرئيسة التي كان يمارسها العتوب تمثلت في النقل البحري والوساطة التجارية.[3]

والحقيقة هي أن هذا التجمع السكاني بالإضافة إلى القوة البحرية لم تكن لتتوفر للعتوب في فترة قصيرة من الزمان. بل إن المعلومة الأكثر أهمية بالنسبة لنا في هذه الوثيقة هي تأكيد علي باشا بأن العتوب كانوا في أول الأمر يقيمون في البحرين، قبل إجلائهم عنها.[4]

وفي مناقشته لفحوى هذه الوثيقة يرى الباحث ب.ج.سلوت بأنها تدل بصورة قاطعة على إقامة مبكرة للعتوب والخليفات في البحرين، وبأن قبائل الساحل الشرقي للخليج العربي قد عمدت إلى إقصائهم عن البحرين بهدف منعهم من الاستئثار بإيراداتها، مما اضطرهم للمغادرة نحو البصرة، والنزول بعد ذلك في القرين.[5]

وتقدم سجلات شركة الهند الشرقية البريطانية وثيقة هامة تفسر لنا بعض أحداث تلك الفترة، إذ يتحدث مندوب الشركة عن الجهود التي بذلها حاكم نابند في مواجهة العتوب الذين سيطروا على البحرين واستأثروا بمواردها. ولما عجز آل حرم عن مواجهة العتوب لوحدهم، استنجدوا بقبائل الساحل الشرقي للخليج الذين أتوا بقوة كبيرة وهاجموا العتوب في راس تنورة وألحقوا بهم خسائر فادحة مما دفعهم للارتحال من المنطقة بصورة مؤقتة وطلب الدعم من السلطة العثمانية في البصرة.[6]

وهذه الأحداث هي نفسها التي تحدث عنها علي باشا بقوله: “وفي أحد الأيام تقاتل العتوب والخليفات ومن معهم من العشائر الأخرى من جهة مع الهولة من جهة أخرى بتحريض من والي العجم في البحرين”.[7]

ولم تضع تلك الخسائر نهاية لنشاط العتوب البحري في الخليج العربي، فبعد تأسيس ميناء الكويت وازدهاره، برزت شخصية الشيخ محمد بن خليفة عقب وفاة والده الشيخ خليفة عام 1708م، وقد ذُكر الشيخ محمد بن خليفة في المصادر الغربية كأحد أهم وأثرى وجهاء الكويت.

وفي هذه الأثناء برز دور العتوب كقوة بحرية يحسب حسابها في المنطقة، فعندما أراد نادر شاه تشكيل قوة بحرية في الخليج العربي اصطدم مباشرة بالقوى البحرية العربية عام 1741م، وورد ذكر العتوب كأحد أهم القوى التي هاجمت الأسطول الفارسي، مما دفع بنادر شاه للتخلي عن طموحاته في تأسيس قوة بحرية، واعترافه بالسيادة العربية على شاطئي الخليج العربي طيلة القرن الثامن عشر.[8]

وقد تحدث القنصل الفرنسي في البصرة جا أوتر عن دور العتوب في تلك الأحداث بقوله: “قام العرب الهولة وبنو عتبة بثورة ضد تاماس خان (نادر شاه) فبناء على أوامر منه أخذت بعض قواربهم لمهمة سرية وجهزت سبع سفن لهذا الغرض، وقد عامل مير علي خان الذي تولى قيادة الأسطول، العرب بغلظة فقتلوه واستولوا على بعض سفنه وهربوا”. كما وردت إشارة أخرى في مصنفات أوتر عن العتوب في تلك الفترة حيث ذكر بأنهم ذهبوا بمعية بعض عرب الساحل الشرقي للخليج إلى البصرة لبيع اللؤلؤ فيها.[9]

ونظراً لتزايد قوة العتوب البحرية؛ فقد استعان بهم نصر آل مذكور عام 1753م لمساعدته في بسط سيطرته على البحرين. وقد تحدث نيبهاوزن عن تلك الأحداث بقوله:

“طلب الشيخ نصر شيخ بوشهر من العتوب مساعدته في احتلال البحرين مقابل السماح لهم بالغوص في مغاصات اللؤلؤ التابعة للجزيرة دون دفع ضرائب له، وبما أنهم كانوا يمارسون الغوص فإن ذلك العرض كان مغرياً وهاماً بالنسبة لهم. حاصر الشيخ ناصر وحلفه الجديد جزيرة البحرين بواسطة أربع سفن وقاوم آل حرم ومعهم بعض شيوخ الهولة والملا علي شاه رئيس جمبرون (بندر عباس)، وخرج آل حرم من قلعتهم وهاجموا مائتين من رجال شيخ بوشهر وقتلوهم جميعاً وذلك رغم استسلامهم في النهاية. وبعد ستة شهور من المحاولة الأولى، وبعد فقدان ثلاثة أرباع رجاله؛ تحالف شيخ بوشهر مع رئيس الطاهرية لكي يترك آل حرم وينضم إليه مقابل 14 ألف روبية سنوياً من عوائد البحرين، وانهزم آل حرم بعد تلك الخيانة وغادروا تلك الجزيرة وبالتالي أصبح شيخ بوشهر سيد البحرين، وقد عين الأخير أخاه حاكماً على البحرين يساعده ثلاثون إلى أربعين رجلاً لجمع الضرائب، لكن دخل الجزيرة آنذاك كان أقل من ربع دخلها السابق لأن العتوب لم يكونوا مطالبين بدفع الضرائب لادعائهم تبعية البحرين لهم”.[10]

والحقيقة هي أن حديث العتوب عن تبعية البحرين لهم لم يأت من فراغ، فقد تحدث نيبهاوزن عن نشاط تجاري للعتوب في البحرين، وأشار إلى أن نصر آل مذكور لم يكن يملك القدرة على تحدي سلطة العتوب في البحرين، أو أخذ الضرائب منهم لأنه كان: “يحترمهم ولا يملك قوة بحرية لمجابهتهم”، وفي مقابل قوة العتوب في البحرين، أشار التقرير إلى أن قوات ناصر ضعفت لأن: “أغلب رجاله توفوا في حصار البحرين عام 1753م وأصبحت سفنه في حالة يرثى لها، وبأنه لا يملك المدافع الجيدة والذخيرة اللازمة، ونتيجة لذلك فإنه لا يستطيع جمع 12 سفينة أو حتى 70 رجلاً قادراً على دخول المعركة”.[11]

 

[1] نشرت هذه الدراسة في: صحيفة الوطن، السنة الخامسة، العدد 1590، 18 أبريل 2010، ص 19.

[2] الخليفة وأبا حسين (2005) مكانة البحرين في التاريخ الإسلامي، مرجع سابق، ص.ص 342-345.

[3] أرشيف رئاسة الوزراء العثماني، دفتر المهمة رقم 111، صفحة 713، مؤرخة في: 21رجب 1113هـ/23 ديسمبر 1701م.

[4] الخليفة وأبا حسين (2005) مكانة البحرين في التاريخ الإسلامي، مرجع سابق. ص 367.

[5] سلوت (2003) نشأة الكويت، مركز البحوث والدراسات الكويتية، الكويت. ص.ص 116-118.

[6] Hughes, T. R. editor (1856), Selections from the Records of the Bombay Government, New Series n. XXIV. Historical and other information connected with the province of Oman, Muscat, Bahrain and other places in the Persian Gulf. Bombay. 24/24.

[7] الخليفة وأبا حسين (2005) مكانة البحرين في التاريخ الإسلامي، مرجع سابق، ص 367-368.

[8] Bruce, J. (1810) Annals Of The Honorable East India Company 1600-1800, London. 15/671. Letter dated: 16th December 1741.

[9] Jean Otter (1742) Voyages en Turquie et en Perse, paris 1742, vol2, p 75

[10] Tido von Kniphausen (1979) “A Description of the Persian Gulf and its Inhabitants in 1756”, Published by: Willem M. Floor in: PERSICA, vol. 8, 1979, pp. 167-169.

[11] سلوت (1987) “سطور من تاريخ البحرين والخليج”، الوثيقة، ع11، مرج سابق. ص.ص 107-108.