LOADING CLOSE

ارتباط العتوب بالبحرين قبل تأسيس الحكم الخليفي فيها ٢

ارتباط العتوب بالبحرين قبل تأسيس الحكم الخليفي فيها ٢

ارتباط العتوب بالبحرين قبل تأسيس الحكم الخليفي فيها ٢

 

للتصفح الرجاء استخدام الأسهم في الجزء السفلي من المستند

ارتباط العتوب بالبحرين قبل تأسيس الحكم الخليفي فيها (ب)[1]

قدمت الوثائق البريطانية معلومات هامة عن دور العتوب في إدارة الشؤون المحلية للبحرين منذ مطلع القرن الثامن عشر، فقد أكد الكابتن بروكس بأن الشيخ محمد بن خليفة (ت 1772م) كان قد أبرم معاهدة مع ناصر آل مذكور في أربعينيات القرن الثامن عشر (أي قبل تأسيس الزبارة بنحو عشرين عاماً) تعهد فيه بدفع الضريبة السنوية عن البحرين لقاء توليه الإدارة المالية فيها نيابة عن آل مذكور، وقد اعترف الفرس بسلطة الشيخ محمد بن خليفة على البحرين نظراً لما كان يتمتع به من قوة بحرية وقدرة على ضبط الأمور.[2]

وتؤكد المصادر الفارسية بأن نصر آل مذكور قد اعتمد طوال فترة حكمه في البحرين على العتوب لضبط الأوضاع الأمنية بها، وتأمين إيراداتها، وتضيف بأن العتوب قد: “استأجروا البحرين” قبل عام 1783م، وتستخدم كلمة الاستئجار للكناية عن النظام الضرائبي السائد آنذاك، والذي تتعهد بموجبه إحدى القوى البحرية بإدارة ميناء أو جزيرة نظير مبلغ سنوي محدد للسلطة المركزية.

وتحدث فاروغي عن وجود ارتباط وثيق بين تجارة الزبارة وتجارة البحرين، مشيراً إلى طلب الشيخ محمد بن خليفة (مؤسس الزبارة) من نصر آل مذكور شيخ بوشهر والبحرين تأجير جزيرة البحرين مقابل الالتزام بدفع ضرائب مالية إلى بوشهر، وكانت هذه العوائد تدفع بانتظام، ولكن بعد وفاة كريم خان زند عام 1779م تردد العتوب أحمد الفاتح في دفع تلك العوائد.[3]

وأكد وكيل بريطانيا في البحرين حاجي جاسم (1842-1852م) هذه الحقيقة حين ذكر بأنه كانت للعتوب هيمنة على البحرين عندما كانوا في الزبارة.

وأضاف عباس إقبال المزيد من التفاصيل حول سيطرة العتوب على إيرادات البحرين قبل تأسيس الحكم الخليفي فيها عام 1783م، مشيراً إلى أن العتوب قد ترددوا في دفع الالتزامات المترتبة عليهم عن البحرين عقب وفاة كريم خان سنة 1779م، فتحالف الشيخ نصر آل مذكور مع القواسم وقام بإخراج العتوب من البحرين. ثم تمكن العتوب بعد ذلك من استعادة سيطرتهم على البحرين في عهد الشيخ أحمد بن محمد بن خليفة.[4]

كما أكد الكابتن تايلور بأن العتوب كانوا يبسطون سيطرتهم الفعلية على البحرين قبل عام 1779م، وقد أدى امتناعهم عن دفع الضرائب لمدة أربع سنوات إلى أن يدعم حاكم شيراز حملة بقيادة نصر آل مذكور للقضاء على مركز قوتهم في الزبارة.[5]

ولا شك بأن عتوب الزبارة كانوا في مكانة أفضل من غيرهم بالنسبة لإدارة البحرين وتنظيم الحركة التجارية، وضبط الأوضاع الأمنية بها؛ ففي الوقت الذي فشلت فيه طموحات نادر شاه ومن بعده كريم خان زند في تأسيس أسطول فارسي، لم ينجح عرب الساحل الشرقي من الخليج العربي في إدارة شؤون البحرين، وذلك بسبب بعدها عن مراكزهم في بوشهر والطاهرية وعسيلوه، وعدم توفر القوة البحرية الكافية لأعمال الدوريات وحفظ الأمن في تلك المناطق النائية عن سيطرتهم.

وبدا من الواضح بأنه لا يمكن أن تستقر الأوضاع في البحرين دون أن تكون خاضعة لسلطة محلية تتمتع بامتداد طبيعي في شرقي شبه الجزيرة العربية، وهو ما تميز به العتوب دون غيرهم من القوى الأخرى؛ ففي أثناء القرن الثامن عشر امتد نفوذ العتوب على طول الساحل الشرقي لشبه الجزيرة العربية، وكان لعشائرهم جذور تاريخية في المنطقة منذ العصور القديمة. كما اتسمت علاقاتهم مع القوى الرئيسة في المنطقة كبني خالد والقواسم بالتنسيق والتعاون.

والحقيقة التي يجب تأكيدها هي أن القوى البحرية في شرقي الخليج العربي لم تتمكن من الاستفادة من مكانة البحرين التجارية وموقعها الاستراتيجي بسبب بعدها عن مراكز إمدادها، وكان من الواضح بأنه لا يمكن ضبط الأوضاع الأمنية في البحرين وتحقيق الازدهار الاقتصادي بها إلا من خلال تأسيس كيان يتمتع بامتداد طبيعي في شبه الجزيرة العربية، مما يتيح لها فرصة التبادل التجاري مع الموانئ القريبة منها والمجاورة لها على الشاطئ الغربي للخليج العربي.

وفي هذه الفترة كان العتوب يمتلكون آليات التكامل ما بين الخطوط البرية والبحرية، من خلال: امتلاكهم القوة البحرية، وسيطرتهم على طرق التجارة البرية، بالإضافة إلى تواجدهم التاريخي في المنطقة، وعلاقات التعاون التي قامت بينهم وبين قبائل شرقي شبه الجزيرة العربية.

وقد وفرت هذه الميزات للعتوب فرصة تشكيل كيان سياسي قابل للاستمرار في البحرين، وهو أمر لم يكن يتوفر لغيرهم من القوى البحرية الأخرى على ضفتي الخليج العربي، ففي حين لم يمتلك بنو خالد القوة البحرية؛ لم يكن لعرب الساحل الشرقي للخليج تواجد يذكر في شرقي شبه الجزيرة العربية وموانئها، وكان توفر الأمرين بالنسبة للعتوب هو السر في نجاح الكيانات السياسية التي أسسوها، والسبب الرئيس في تحقق الاستقرار السياسي والازدهار الاقتصادي للبحرين في الفترة التي أعقبت فتح البحرين عام 1783م.

 

 

[1] نشرت هذه الدراسية في: صحيفة الوطن، السنة الخامسة، العدد 1591، 19 أبريل 2010، ص 15.

[2] Brucks, G. B. (1856) `Memoir descriptive of the navigation of the Gulf of Persia, with brief notices of the manners, customs, religion, commerce and resources of the people inhabiting its shores and islands‘. Bombay Selections, XXIV, Bombay. p.p 116-117.

[3] Faroughy A.(1951) The Bahrain Islands (750-1951): A contribution to the study of power politics in the Persian `Arabian’ Gulf. New York. P. 69.

[4] عباس إقبال (1910) مطالعاتي درباب بحرين وسواحل خليج، مطبعة مجلسي، طهران.ص 254.

[5] Taylor R. (1818) ‘Historical and other information connected with the Province of Oman, Muskat and the adjoining country; the Islands of Bahrain, Ormus, Kishm, and Karrack and other ports and places in the Persian Gulf’ in: Archive Editions (1993) Records of Bahrain. 1/27-28